مطحنة الصويرة: تجار الدين.. من حصاد الأصوات إلى حصاد الأرواح

مطحنة الصويرة: تجار الدين.. من حصاد الأصوات إلى حصاد الأرواح

كتب بواسطة: الشفق المغربية

 

 

بدأت الكارثة بعد يوم واحد على عيد الاستقلال - يا حسرة-!  حين تدافعت جموع الفقيرات نحو مركز بولعلام، نواحي الصويرة للاستفادة من معونة بئيسة (سكر وزيت ودقيق) يوزعها الفقيه عبد الكبير الحديدي أحد أئمة مسجد السبيل بحي كاليفورنيا بالدار البيضاء. وحسب الفقيه نفسه فقد تكرس ذلك التقليد بشكل سنوي، ولم تحدث أية أضرار طيلة السنوات الخمس التي شرع فيها الفقيه في عملية التبرع هاته. لكن «وليمة» الأحد 19 نونبر 2017 كانت فاضحة، إذ أسفرت عن وفاة 15 امرأة وجرح أخريات.

لو أخضعنا الحدث للتبسيط لقلنا إن ما نتج عن التدافع ناتج عن خلل في تنظيم الظاهرة. وهو ما يؤكد مسؤولية السلطات المحلية التي قيل إنها رخصت للتظاهرة، وكذا مختلف القوى العمومية المفروض أنها تحمي السلامة الجسدية والوضعية الاعتبارية للمواطنين. مثل هذه القراءة لا تذهب نحو جوهر الموضوع لأنها لا تضع الفاجعة في سياقها الحقيقي الذي يبدأ أصلا باختبار فكرة "تطوع" البعض للتبرع على الفقراء. أو ما يعرف بلفظ مهذب بالعمل الإحساني.

هنا لا بد أن نشير إلى مثل هذا النوع من المبادرات الاجتماعية والإنسانية قد يعتبر ظاهرة صحية موجودة في كل المجتمعات بما فيها الأكثر غنى، والأكثر ديمقراطية. لكنها هناك مؤطرة بقوانين وآليات تضمن كرامة المحتاج وتضبط عمليات التبرع وفق تعاقد إداري بين الدولة والجهات المحسنة تذوب فيه شخصنة التبرع، ويكون هدفها حماية تلك العمليات من  كل نزوع انتهازي (انتخابي أو فئوي أو استعراضي...)، على أساس تعاون المجتمع المدني مع الدولة في تقليص تبعات الفوارق الاجتماعية.

أما في الحالة المغربية فلقد أثبت تجربة «الإحسان» أنها ترتبط دائما، إما بالتدافع الانتخابي، أو بالتجييش العاطفي لأغراض دينية، من بينها صناعة الأسماء لرهانات مستقبلية مثلا.

لقد تمت معاينة حالات كثيرة لـ«نشطاء» في مجال «الإحسان» والعمل الخيري الذين يستثمرون في هذا العمل لشراء الأصوات، وجعلها خزانا احتياطيا في المعارك الانتخابية. مثلما كانت هناك معاينة حالات أبطالها أصوليون من مختلف التلوينات: الوهابية والإخوانية الذين يتخذون من هذا النوع من النشاط العام طريقا لابتلاع المجتمع المغربي. ونذكر كيف وفرت أموال مجهولة المصدر إمكانيات التدخل أثناء غسل الجنازات، وتشييع الميت، وتوفير عشائه. أو التدخل أثناء إعداد أعراس الزواج وحفلات الختان وتمويل شراء الكتب الدراسية وشراء أكباش العيد، أو انتداب أفراد لبيع كتب أهوال القبر وفتاوى إرضاع الكبير... مثلما نذكر كيف همت إحدى الهيئات المنتخبة بإعداد "قفة رمضان" في هذا الاتجاه. بل إنها أدرجت تمويل تلك القفات ضمن المال العمومي!.

فاجعة الصويرة لا تخرج عن هذا السياق.

لقد ثبت أن المتبرع في هذه الحالة من فضاء الشياظمة، ينتمي إلى سلالة الفقهاء الذين تلقوا تكوينهم الديني في المصادر الوهابية بأرض المملكة العربية السعودية. والأكثر من ذلك فهو ينتمي صراحة إلى الصف الأصولي، وتحديدا إلى حزب العدالة والتنمية. وكان هو شخصيا من تولى عملية التأبين لعبد الله باها قيادي «البيجيديين» بالحفل الذي أقيم بسطات!، كما أن الفاجعة وقعت في جماعة يسيرها البيجيدي. من هنا خطورة ما حدث حيث تتضاعف المأساة الإنسانية التي حصدت الأرواح، وداست الكرامات، ليسمو الأمر إلى ما هو أكثر مأساوية في الثقافة الجمعية المشتركة، وفي ممارسة السياسةتحديدا.

من هنا كذلك تتحدد مسؤولية وزارة الداخلية التي تواصل السكوت عن مثل هذه المظاهر الانتهازية، بل وتوفر  لها الغطاء عبر الترخيص والتنظيم ومختلف أشكال اللوجيستيك. ومن ثم كذلك يتأكد أن الصمت تجاه مثل هذه الظاهرة لم يعد ممكنا إذ تفرض الفاجعة، اليوم قبل الغد، وجوب إخضاع جميع المحسنين،

سواء كانت نياتهم صافية لوجه الله، أو صافية لتحقيق المكاسب المادية والانتخابية، للامتثال إلى الآليات القانونية  عبر حماية المواطن من  كل أنواع الإهانة، حتى ولو كانت الاستفادة  من كسرة خبر أو قطعة سكر أو قطرة زيت مهما كانت أهميتها في إنعاش جوع وعطش الفقراء.

ما يستدعي ذلك ثالثا ضرورة تحمل الدولة مسؤوليتها في الحد في شيوع هذا النوع من الريع الاجتماعي العشوائي، وكبح جماح «المتبرعين» الاستعراضيين الذين يفرحون بإعلان الصدقات أمام الملأ، مع الحرص على توثيقها بالصور والفيديو... ولوضع حد لظاهرة الانتهازية الأصولية التي تسعى إلى المتاجرة في الأرواح، بعد المتاجرة في الكرامة الإنسانية.

واقع الحال يؤكد وجوب أن يتوقف هذا السلوك الذي يتبناه الأصوليون الذين يسعون إلى ابتلاع المجتمع المغربي بمختلف روافده، بدءا من العمل الجمعوي المدني، ووصولا إلى احتلال الحقل الدعوي، واختراق المناهج الدراسية والمجالس العلمية، وهيئات الأئمة، ونظارات ومفتشيات وزارة الأوقاف

والشؤون الإسلامية...

الصمت لم يعد ممكنا فعلا. بل فضح مؤامرة الصمت صار أم الأولويات.

 

 

primi sui motori con e-max