في الحاجة إلى محاكمة أسباب المأساة

في الحاجة إلى محاكمة أسباب المأساة

كتب بواسطة: الشفق المغربية

 

 

ما حدث بجماعة سيدي بولعلام بإقليم الصويرة مأساة حقيقية لم يكن ولن يكون حادثا عرضيا معزولا عن سياق سياسي واقتصادي واجتماعي عام في البلاد، ومن يجتهد في سبيل فرض مثل هذه الحقيقة الزائفة فإنه يمارس التعتيم ويزيد من خطورة ما حدث.

فمن الناحية الشكلية أو السطحية فإن الأمر لا يعدو مجرد تدافع بين أشخاص يفتقدون إلى أبسط القواعد الثقافية المرتبطة بالتنظيم والانضباط، وأنهم بذلك مسؤولون عما حدث لهم،  بل يجب أن نحمد الله على أن الخسائر كانت في ذلك الحجم.  وأن الأمر لا يتجاوز أيضا  مجرد سوء تنظيم من طرف المنظمين الذين يكونون قد تعاملوا مع الحدث بكثير من التراخي وسوء التقدير. ولكن قراءة متعمقة للحادث المأسوي تقودنا بالضرورة إلى رزمة من الخلاصات و تصدمنا بكثير من الحقائق المفجعة . 

فالإقبال الكبير الشعبي المثير على مبادرة خيرية إحسانية متواضعة وبسيطة يواجهنا بأسئلة حارقة تتعلق بأسبابه ودواعيه، فقيمة المساعدة العينية لم تكن  تتجاوز بضع عشرات الدراهم، وفي مجتمع يستطيع المواطن فيه تلبية الحدود الدنيا من شروط ومواصفات العيش الكريم لا يمكن أن يلقى هذا العرض أي اهتمام بل كان سيجري التعامل معه بكثير من الازدراء واللامبالاة، لكن  حينما يضحي الفرد بحياته من أجل الحصول على هذا العرض المتواضع فإن ذلك يطرح إشكاليات عميقة ترتبط بمستوى الفقر الذي يعشش في أعماق المجتمع، ويتعلق بسوء توزيع الثروة الوطنية ويهم التباين الطبقي الخطير بين الفئات ويخص التفاوت المجالي الكبير بين الجهات. إن ذلك يعني أن أعدادا كبيرة من المواطنين لا تصلهم آثار الثروة الوطنية وأنهم يعجزون عن ضمان الحدود الدنيا في العيش الكريم.

إن ما حدث يندرج في عمق ما طرحه جلالة الملك محمد السادس نصره الله حينما تحدث عن استنفاد النموذج التنموي في البلاد لفعاليته ونجاعته، ذلك أن النماذج التي سادت منذ الاستقلال إلى اليوم لم تنجح في مواجهة التحديات الحقيقية التي تعرفها البلاد و أفضت بنا اليوم إلى أن آلاف المواطنين يتدافعون ويضعون حياتهم في خطر مقابل حفنة من الدقيق والسكر والعدس وقطرات من الزيت، مما يؤشر على ضعف التماسك الاجتماعي، ويلح في الإقرار بأن المغرب أضحى في أمس ما يكون إلى نموذج تنموي جديد.

مهم أن تفتح السلطات الإدارية تحقيقا لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاء في حق الذين قصروا في أداء مهامهم، ومهم أيضا أن يسارع القضاء إلى فتح تحقيق قضائي ومتابعة من يثبت في حقه تقصير أو إخلال، لكن كل ذلك لن يكون كافيا في إحقاق الحق الاجتماعي والسياسي لأننا اليوم في حاجة ملحة إلى محاكمة الاختلالات البنيوية التي تعطل التنمية الحقيقية في البلاد، وفي أمس ما نكون إلى محاسبة الأسباب التي أفضت إلى التمايز الطبقي الكبير بين الفئات  والتفاوت المجالي الخطير بين الجهات، في حاجة ماسة إلى مساءلة حقيقية لواقع يولد التوريث الجيلي للفقر وسط فئات عريضة من أبناء المجتمع، لذلك بقدر ما نسجل الأهمية البالغة التي اتخذتها السلطات العمومية في مواجهة مخلفات هذه الكارثة فإننا نتطلع إلى أن تمثل هذه المأساة هزة عنيفة في المجتمع لبداية العمل الحقيقي لمواجهة الإشكاليات الحقيقية التي تجذب البلاد نحو التخلف والتدهور ونحو إنتاج المآسي الكثيرة. 

إننا نترحم على أرواح الذين لقوا حتفهم في هذا الحادث المأسوي، ونتطلع إلى أن نضمن شروط عدم تكرار مثل ما حدث في جماعة سيدي بولعلام.

 

 

primi sui motori con e-max